عندما اتّخذت إندونيسيا أولى الخطوات الآسيوية على المسرح العالمي
نستعرض مشاركة إندونيسيا في كأس العالم FIFA 1938، عندما أصبحت أول منتخب آسيوي يتنافس في البطولة.
في 27 أبريل 1938، كان ميناء تانجونغ بريوك مسرحًا للحظة خالدة إلى الأبد في تاريخ كرة القدم الإندونيسية. فمن هذا الميناء، انطلق فريق يمثل الإقليم المُستعمر لجزر الهند الشرقية الهولندية، المعروفة اليوم باسم إندونيسيا، في رحلة طويلة وشاقة إلى أوروبا.
ولم تقتصر رحلتهم التي استغرقت شهرين تقريبًا على عبور القارّات فحسب، بل نقلتهم أيضًا من ملاعب وطنهم الصغيرة إلى أكبر مسرح في كرة القدم: كأس العالم FIFA فرنسا 1938.
وكان فريق جزر الهند الشرقية الهولندية الذي وصل إلى الأراضي الفرنسية متنوعًا من حيث الخلفيات. فبينما كان معظم لاعبي الفريق من أصول محلية (سكان أصليين)، ضمّت بقية القائمة لاعبين من أصول هولندية وصينية. وشملت هذه المجموعة التاريخية أسماء مثل حارس المرمى تان مو هينغ، وهيرمان زومرز، وفرانز مينغ، وإسحاق باتيوال، وفرانس بيدي هوكوم، وهانز تايهاتو، وبان هونغ تجين، وجاك سامويلز، وسوفارتي سويدارمادجي، وسوتان أنور، والقائد أحمد نوير.
وعلى عكس اللاعبين المحترفين حاليًا، كان الفريق يتكون في الغالب من هواة يوازنون بين مسيراتهم الكروية والعمل والدراسة ومتطلبات الحياة اليومية. لم يكن لدى اللاعبين إمكانية الوصول إلى مراكز تدريب حديثة أو برامج تدريبية منظمة، ولم تكن هناك دوريات احترافية.
ولكن ما كان لديهم هو الحب الكبير للعبة، والفخر بتمثيل وطنهم، وتوجيهات مدربهم الهولندي يوهان ماستنبروك، الذي اعتمد على الانضباط والخطط الفنية البسيطة.
ولم تضمن جزر الهند الشرقية الهولندية مقعدها في نهائيات كأس العالم بفضل إنجازاتها داخل الملعب، بل نتيجة للوضع الجيوسياسي السائد في ذلك الوقت. وكانت التصفيات الآسيوية المؤهلة لبطولة كأس العالم 1938 تتكون من دولتين فقط، وهما جزر الهند الشرقية الهولندية واليابان.
وفي ذلك الوقت، كانت العلاقات الدولية في وضع محفوف بالمخاطر، حيث كانت اليابان في حالة حرب مع الصين، ونتيجة لهذا الصراع، انسحبت اليابان، مما سمح لجزر الهند الشرقية الهولندية بالوصول إلى نهائيات كأس العالم دون خوض أي مباراة تأهيلية واحدة.
وكان مستوى كرة القدم في جميع أنحاء آسيا غير متوازن إلى حدٍ كبير في ذلك الوقت، وكانت البنية التحتية محدودة، ومع ذلك، وجد هذا الفريق الفرصة لصناعة التاريخ في ظل ظروف استثنائية للغاية.
وفي 5 يونيو 1938، خاض منتخب جزر الهند الشرقية الهولندية مواجهة المجر على "ملعب فيلودروم" في مدينة ريمس. ولكن منافسه لم يكن فريقًا تقليديًا. في الواقع، كانت المجر قوة عظمى في كرة القدم العالمية، وظلت في صدارة اللعبة عالميًا حتى ستينات القرن الماضي.
لقد كانت المباراة من طرف واحد. ورغم أنهم صمدوا في أول 12 دقيقة دون أن تهتز شباكهم، إلا أن مرمى الحارس تان مو هنغ قد اخترق مرارًا وتكرارًا، حيث انتهت المباراة بفوز المجر بنتيجة 6-0. وكان ذلك أكبر انتصار في أي من مباريات الدور الأول في بطولة 1938. وواصلت المجر طريقها لتصل إلى نهائي البطولة، لكنها أخفقت في الفوز باللقب، وخسرت أمام إيطاليا 4-2.
ولكن بالنسبة لجزر الهند الشرقية الهولندية، كان لا يزال هناك الكثير مما يدعو للفخر. حيث تمكن إيزاك باتيوايل ، الجناح القادم من مالوكو، من هز شباك الحارس الأسطوري أنتال زابو. ورغم إلغاء الهدف، إلا أن إنجاز باتيوايل ظلّ قصة عائلية ثمينة.
وكما صرّح حفيده، جون باتيوال، لشبكة "BBC" الإندونيسية، قائلًا: "أتذكر أن جدي سجل هدفًا (ضد المجر، على الرغم من أن الحكم ألغاه)."
وكان إيزاك غالبًا ما يُطلع أطفاله وأحفاده، ومن ضمنهم جون، على بعض الصور من الفترة التي لعب خلالها لمنتخب الهند الشرقية الهولندية، كما كان يروي قصصًا عن شعوره بالفخر كإندونيسي من تراث "مالوكو" الذي شارك ذات يوم في أكبر محفل رياضي.
وأشار جون قائلًا: "كان فخورًا للغاية بكونه إندونيسيًا، وخاصةً كلاعب كرة قدم من أمبون شارك في كأس العالم ذات مرة. وبالنسبة للإندونيسيين، كان التواجد هناك تجربة لا تتكرر في العمر."
وعلى الرغم من إقصائهم بعد مباراة واحدة فقط، إلا أن الهند الشرقية الهولندية دخلت التاريخ كأول ممثل آسيوي في نهائيات كأس العالم. قد يبدو هذا للكثيرين مجرد معلومة عابرة، لكن بالنسبة للإندونيسيين يمثل حجر الأساس لهويتهم الكروية على الساحة العالمية.
إنه تذكير بأن إندونيسيا وقفت ذات يوم جنبًا إلى جنب مع أفضل لاعبي العالم، وبإمكانها أن تحدد هدفها لتحقيق ذلك الحلم مرة أخرى.
