من الهلال إلى المنتخب: كيف صنع دونيس لنفسه وطنًا ثانيًا في السعودية؟
عندما قررت تغيير مدربها قبل ثلاثة أشهر فقط من انطلاق كأس العالم، اختارت السعودية الاعتماد على أحد المدربين المعروفين في البلاد، في خطوة تحمل قصةً خاصة.
من بين 48 منتخباً تُنافس في كأس العالم FIFA 2026™، هناك 26 منتخبًا يقودها مديرون فنيون وُلدوا في بلدان أخرى. أكثر من النصف.
ويعد منتخب المملكة العربية السعودية واحدة من هذه المنتخبات، حيث يقود المدرب اليوناني جورجيوس دونيس المنتخب الذي تعادل بنتيجة 1-1 مع الأوروغواي بميامي في مباراته الافتتاحية. ومن بين كل هذه العلاقات بين المنتخبات والمدربين، قد تكون علاقة دونيس بكرة القدم السعودية هي الأعمق. لدرجة أن مصطلح "الغريب" لم يعد يبدو مناسبًا.
ربما يكون دونيس قد وفد إلى البلاد كمدرب أجنبي، في خطوة اعتُبرت غير مألوفة بلا شك عام 2015، عندما كان الهلال يسعى جاهدًا لاستعادة مكانته المعهودة.
وبعد مرور أكثر من عشر سنوات، بات اليوم يخاطب الصحفيين باللغة العربية، ممتلئاً بثقةِ من نجح في تشييد مسيرة مهنية ثانية في منطقة الخليج؛ مسيرة تحظى باعتراف أوسع وربما بتأثير أكبر من أي فصل آخر في حياته بأوروبا.
وصرّح دونيس قبيل المباراة الافتتاحية قائلًا: "تتواجد السعودية هنا في النسخة الثالثة لها على التوالي. وفي المجمل، بلغت مشاركاتها سبع مرات؛ ولذلك، نحن أمام تاريخ جدير بالاحترام والتقدير"، قبل أن يضيف مستطردًا: "نحن نستحق التواجد هنا تمامًا كبقية المنتخبات الأخرى."
Video: السعودية ضد أوروغواي | المجموعة الثامنة | كأس العالم FIFA 2026™ | الملخص | لغة الإشارة الدولية (IS)
هذا وستواجه المملكة العربية السعودية بطلة أوروبا، إسبانيا، يوم الأحد المقبل في أتلانتا. وستكون هذه مباراته الثانية كمدرب للمنتخب الوطني.
وجاء تعيينه في شهر أبريل/نيسان الماضي، في أعقاب إقالة الفرنسي هيرفي رونار، ليمثّل اختيارًا لمدربٍ نجح على مدار عقد من الزمن في إتقان لغة كرة القدم السعودية بمفهومها الأوسع.
وكلاعب، وصل دونيس – المولود في فرانكفورت بألمانيا – إلى الدور نصف النهائي من دوري أبطال أوروبا مع باناثينايكوس في موسم 1995/96، حيث تم إقصاؤهم على يد فريق أياكس القوي. وأصبح فيما بعد أول لاعب يوناني يشارك في الدوري الإنجليزي الممتاز مع بلاكبيرن. كما لعب أيضًا لفريقي شيفيلد يونايتد وهدرسفيلد تاون، الذي اعتزل اللعب فيه.
بعدها، بدأ مسيرته التدريبية في عام 2002، وقضى السنوات الـ 13 الأولى منها في أوروبا. وعندما وصل دونيس إلى نادي الهلال في عام 2015، كان النادي الأكثر شعبية في البلاد واقعًا تحت ضغطٍ كبير. فعلى سبيل المثال، بين بداية عام 2012 ونهاية عام 2014، شغل هذا المنصب ما لا يقل عن سبعة مدربين.
ومع توليه زمام القيادة والموسم قد انطلق بالفعل، نجح المدرب في إرساء التنظيم التكتيكي وتعزيز الروح التنافسية في صفوف الفريق. وفاز بكأس الملك وكأس السوبر المحلي، وحلّ وصيفًا في الدوري، وقاد الفريق إلى الدور نصف النهائي من دوري أبطال آسيا. هذه النتائج، بالإضافة إلى العملية التي وضعها، ساهمت في تشكيل سمعته.
ومنذ ذلك الحين، أصبح دونيس شخصية مألوفة في كرة القدم السعودية. وقد عاد إلى البلاد في عدة مناسبات، حيث أدار نادي الوحدة، ونادي الفتح، ومؤخرًا نادي الخليج.
وفي كل نادٍ، حافظ على نفس السمة المميزة: فِرق منضبطة ومتماسكة قادرة على المنافسة ضد الفِرق الأقوى. خارج الملعب أيضًا، دونيس ليس شخصية إعلامية. ومع ذلك، أكسبه اندماجه في البيئة المحلية دعم وثقة الشعب السعودي.
ويقول: "أولاً وقبل كل شيء، أنا ممتن للمملكة العربية السعودية. عندما وطأت قدماي أرض البلاد للمرة الأولى، لم أكن أتخيل أبدًا كيف ستؤول الأمور. أعتبر هذا البلد اليوم وطني الثاني. الناس متعاونون للغاية ويتعاملون مع كل شيء بطريقة لطيفة."
هذا وقد عمل دونيس بشكل مباشر مع نجوم مثل سالم الدوسري وسلمان الفرج، كما لعب دورًا مهمًا في تطوير المهاجم فراس البريكان. ومع ذلك، وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية، قرر تبسيط المتطلبات التكتيكية.
وفي المباراة ضد أوروغواي، تقدمت السعودية في النتيجة ولم تتعرض لتهديد جدي عندما اضطرت للدفاع في وقت مبكر. لكن في الشوط الثاني، تغيرت الديناميكية. قدّم حارس المرمى محمد العويس أداءً متميزًا، غير أنه لم يتمكن من منع هدف التعادل لمنتخب 'لا سيليستي' في ظل الضغط المتواصل.
وواجه دونيس الكثير من الأسئلة في مؤتمره الصحفي الذي أعقب المباراة حول هذا التحول في الزخم. وقال: "أستطيع أن أقول إننا في الشوط الأول أدرنا المباراة بشكل أفضل، واستحوذنا على الكرة أكثر قليلًا، ولم نسمح لخصومنا بخلق الكثير من الفُرص، وتقدمنا في النتيجة. وفي الشوط الثاني، لم نكن نملك القوة الكافية لإيقافهم."
"لم تكن الأيام كافية، كل شيء حدث بسرعة كبيرة، ونعم، كانت هناك ميزة لأنني كنت أعرف اللاعبين بالفعل. لكن الأمر يختلف عندما تقوم بتدريبهم."
تلك هي المهمة التي تولى دونيس القيام بها. رفع مستوى ومعنويات المنتخب الوطني داخل الملعب وخارجه.
وأضاف: "إذا قمنا بتحليل المباراة ككل ونظرنا إلى البنية البدنية لخصومنا، الذين يمتلكون فريقًا نشيطًا للغاية، وخبرة كبيرة، وعمقًا كبيرًا في التشكيلة، فقد تمكنا على الأقل من الحصول على نقطة. هذا شيء إيجابي ويمكن أن يمنحنا زخماً."
"لقد أظهر اللاعبون أنهم أهلٌ لثقتي، وأنا أؤمن بقدراتهم تماماً."
